هل يُدان المنهار قبل أن يُفهم؟
قراءة فقهية في مأساة بسنت على ضوء قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي رقم 261 (6/26)
ليست مأساة بسنت من الوقائع التي يستوفى حقها بعبارة وعظية عاجلة، ولا من النوازل التي يكفي فيها أن يقال: إن الانتحار كبيرة من الكبائر، ثم يُظن أن باب النظر قد أُغلق، وأن الحكم قد استوفى مناطه، وأن الفقه قد قال كلمته الأخيرة. ذلك أن هذا المسلك، وإن وافق ظاهر الأصل، قد يخطئ موضع التنزيل؛ لأن الشريعة لا تنظر إلى الأفعال باعتبار صورها المجردة وحدها، بل تنظر إليها من حيث صدورها عن إدراك معتبر، وإرادة مستقرة، وقدرة نفسية وعقلية على الفهم والاختيار وتحمل العاقبة. فليس كل من باشر فعلًا كان مباشرته دليلًا على تمام قصده، وليس كل من أقدم على شيء كانت حركته برهانًا على كمال حريته الداخلية وسلامة تقديره.
ومن هنا فإن الخطأ في مثل هذه المآسي لا يقع في أصل الحكم المجرد، بل يقع في ترتيب النظر، وفي تعيين محل الحكم، وفي استحضار شروطه وموانعه، وما إذا كان الفعل قد صدر في حال بقاء الأهلية على تمامها، أو في حال أصابها اختلال أو إنهاك أو انكسار. فقولنا: إن الانتحار محرم، قول صحيح في الجملة، ولكن هذا لا يعفينا من سؤال سابق عليه، بل هو شرط في حسن تنزيله: من هو الفاعل حال الفعل؟ وما مقدار إدراكه؟ وما درجة سلامة إرادته؟ وهل صدر فعله عن وعي متزن، أم عن انهيار نفسي وضغط قاهر أضعف سلطان العقل على النفس، وأربك تقديرها، وخنق أفقها حتى لم تعد ترى من الحياة إلا جدارًا مغلقًا؟
إن مناط التكليف في الفقه الإسلامي ليس مجرد وجود العقل من حيث الأصل، بل سلامة وظيفته المؤثرة في الفهم والتمييز والاختيار. كما أن الأهلية ليست وصفًا جامدًا يثبت للإنسان دفعة واحدة على نحو لا يتفاوت، وإنما هي وصف يتدرج، ويقوى ويضعف، ويعتريه النقص والاختلال بحسب ما ينزل بالإنسان من عوارض تمس قدرته على الإدراك أو على توجيه الإرادة. ولهذا فرق الفقهاء بين أهلية الوجوب التي تثبت للإنسان بوصفه إنسانًا، وبين أهلية الأداء التي تتعلق بقدرته على صدور الفعل عنه على وجه معتبر شرعًا. وهذه الثانية هي التي تتأثر بالعوارض العقلية والنفسية، فتزول أحيانًا، وتنقص أحيانًا، وتبقى أحيانًا، بحسب أثر العارض لا بحسب اسمه.
ومن هنا تتجلى أهمية ما انتهى إليه مجمع الفقه الإسلامي الدولي في قراره رقم 261 (6/26) الصادر في دورته السادسة والعشرين بالدوحة سنة 2025 بشأن أثر الأمراض النفسية على الأهلية في الشريعة الإسلامية؛ إذ قرر بوضوح أن الأصل في المريض النفسي البالغ أن يبقى كامل الأهلية ومسؤولًا عن تصرفاته، ما لم يثبت خلاف ذلك من جهة اختصاص معتمدة. وهذا التقرير في غاية الأهمية؛ لأنه يمنع التوسع العاطفي الذي يرفع المسؤولية عن كل اضطراب نفسي بإطلاق، كما يمنع في المقابل القسوة الفقهية التي تسوي بين نفس منهكة محطمة وبين شخص كامل الإدراك والإرادة.
ثم جاء القرار نفسه فأرسى معيارًا بالغ الدقة، حين بين أن الأمراض النفسية ليست رتبة واحدة، بل تنقسم بحسب أثرها في الإدراك والتمييز والإرادة إلى ثلاثة أنواع: أمراض نفسية مفقِدة للأهلية، وأمراض منقِصة لها، وأمراض غير مؤثرة فيها. وهذا التحول في غاية الأثر؛ لأنه ينقل النظر من التكييف الاسمي إلى التكييف الوظيفي: فالعبرة ليست باسم المرض، بل بمقدار تأثيره في الفهم وسلامة اتخاذ القرار. ولذلك نص القرار على أن المعيار في تحديد المرض النفسي ومدى تأثيره في الأهلية مرتبط بمدى التأثير في الإدراك والتمييز والفهم وسلامة اتخاذ القرار، وأن هذا منوط بأهل الاختصاص من الأطباء النفسيين ومن في حكمهم، ثم جعل للقضاء سلطة تقرير فقدان القدرة أو نقصانها على الإدراك والتمييز.
وهذا المعنى، وإن صيغ اليوم بلغة فقهية طبية معاصرة، ليس غريبًا عن أصول الفقه الإسلامي، بل هو ممتد في روحه ومناطه. فالفقهاء لم يجعلوا العبرة في هذا الباب للأسماء المجردة، بل للحقائق المؤثرة: ذهاب التمييز، واضطراب القصد، وفساد الإرادة، واختلال النظر في العواقب. ولذلك لم يكن الجنون في التراث مؤثرًا لأنه يسمى جنونًا، بل لأنه يفضي إلى زوال مناط الاعتبار. والعلة إذا وجدت وجد حكمها، ولو اختلف اللفظ، وإذا انتفت انتفى أثرها ولو حضر الاسم. ومن ثم فإن من اختلت عنده وظيفة الإدراك أو انكسرت إرادته انكسارًا مؤثرًا لا يُنزَّل منزلة من استجمع أدوات التقدير والاختيار، ولو اشتركا في ظاهر الحركة أو الصورة.
وعلى هذا الأساس، فإن تصوير حالة بسنت لا ينبغي أن يبنى على أنها “اختارت” كما يختار الإنسان في حال السعة النفسية والطمأنينة العقلية، ولا على أنها “قررت” كما يقرر المرء في مقام الرؤية الواضحة والتقدير المستقر. بل السؤال الأسبق والأعدل: هل كانت تملك نفسها عند لحظة الفعل ملكًا صحيحًا؟ وهل كان وعيها ببدائل الحياة ومآلات القرار وتبعات الغياب متماسكًا؟ أم أنها بلغت من الضيق والخذلان والضغط النفسي حدًّا صارت معه الإرادة منكسرة، والبصيرة مضطربة، والنفس محاصرة حتى ضاقت عليها الأرض بما رحبت؟
إن من يتأمل الواقعة بإنصاف يدرك أنها لم تكن حادثة فردية منعزلة، بل ثمرة تضافر قاسٍ بين عوامل متشابكة: طليق تخلى عن واجبه، وعبء معيشي أثقل كاهل امرأة تُركت وحدها، وضغط اجتماعي لا يرحم، ونظرات تنهش الكرامة، وحديث ناس يستغلون الضعف بدل أن يسندوه، ثم انكشاف نفسي متراكم يجعل الحياة نفسها حملًا زائدًا على الطاقة. وهذه ليست مجرد ظروف خارجية تذكر على هامش التحليل، بل هي معطيات فاعلة في إعادة تشكيل الداخل الإنساني؛ إذ يمكن للضغط إذا استحكم، وللعزلة إذا طال أمدها، وللخذلان إذا تكرر، أن ينال من صفاء الإدراك، وأن يربك الإرادة، وأن يبدل موقع الإنسان من الصبر إلى الانطفاء، ومن المقاومة إلى التهاوي.
ومن أدق ما ينبغي تقريره هنا أن القدرة في ميزان الشريعة ليست مجرد وجود الآلة، بل سلامة عملها. فقد يكون الإنسان مالكًا لأصل العقل، لكنه في ظرف بعينه عاجز عن حسن استعماله، أو مثقَلًا من الداخل إلى حد لا يزن معه البدائل وزنًا صحيحًا. وحينئذ لا يكون فاقد الأهلية على الإطلاق، ولا كاملها بإطلاق، بل يكون في منزلة بين ذلك: ناقص الأهلية، أو مختلها في بعض الجوانب دون بعض. وهنا تظهر قيمة قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي رقم 261 (6/26)؛ لأنه أعاد فتح هذا الباب على نحو علمي منضبط، فلم يجعل الناس فريقين لا ثالث لهما: عاقلًا كاملًا أو فاقدًا مطبقًا، بل اعترف بدرجات الاختلال، وجعل لكل درجة أثرها.
ولهذا فإن تنزيل الحكم في مثل هذه الواقعة لا يصح أن يكون تنزيلًا آليًا مبتورًا، بل لا بد فيه من تحقيق مناط حقيقي: فإن ثبت أن الاضطراب النفسي أو الضغط الشديد قد بلغ حدًّا مؤثرًا في الإدراك والتمييز وسلامة القرار، كان ذلك شبهة معتبرة في تخفيف الإثم أو في منع التسرع في تحميل الفاعل كامل ما يحمَّل له في حال السلامة. وإن ثبت أن الخلل لم يبلغ حد الإزالة، ولكنه بلغ حد الإنقاص والإضعاف، وجب أن يقال بقدر ذلك، دون تهوين للفعل ولا تهويل في الحكم. وإن ثبت كمال الإدراك مع بقاء أصل الاختيار، عاد الحكم إلى أصله. وبهذا وحده تحفظ الشريعة عدالتها؛ لأنها لا تكتفي بصحة النص، بل تطلب صحة تنزيله على محلّه.
ومن الخطأ كذلك أن يُفصل الفعل عن سياقه الاجتماعي، ثم يُجعل الفرد وحده حاملًا لعبء النتيجة كلها. فالسياق في مثل هذه القضايا ليس ترفًا تحليليًا، بل هو جزء من مناط الفهم؛ لأن الإنسان لا ينهار عادة بضربة واحدة، وإنما يتفتت على مراحل: بإهمال، ثم بصمت، ثم بقسوة، ثم بفضح، ثم بخذلان، حتى إذا بلغ الحافة قيل بعد سقوطه: هو وحده المسؤول. وهذا ليس من الإنصاف في شيء، لا شرعًا ولا عقلًا. إن المسؤولية هنا لا تنحصر في الفاعل وحده، بل تمتد إلى البنية التي حاصرته، وإلى البيئة التي تركته يذوي، وإلى كل يد دفعت دون أن تمسك، وكل لسان جرح دون أن يجبر، وكل نظام قصّر في الحماية ثم اكتفى بالفرجة أو الموعظة.
ومن ثم فإن تحويل الواقعة إلى مجرد “درس اقتصادي” للنساء، مع ما فيه من تنبيه صحيح إلى ضرورة الاستقلال المالي، يبقى ناقصًا في التكييف ما لم يُدرج ضمن صورة أعمق وأوسع. فالمأساة هنا ليست مأساة تجهيز بيت يُكتب باسم الرجل فقط، ولا مأساة نفقة متروكة فقط، ولا مأساة انفصال أسري فحسب، بل مأساة منظومة كاملة: قانون يضعف في الإنصاف، ومجتمع يشتد في الإدانة، وثقافة لا تزال تستسهل لوم المنهار بدل أن تسأل: من الذي أوصله إلى حافة الانهيار؟ وما الذي جعل المرأة تتحمل وحدها عبء النفقة والتربية والدفاع عن السمعة ومواجهة العالم؟
إن الفقه في جوهره ليس مجرد نظام لتصنيف الأفعال بعد وقوعها، بل هو علم بحفظ الإنسان قبل سقوطه، وبسد ذرائع التهلكة عنه، وببناء الشروط التي تمكنه من الصبر والقيام بالتكليف. فإذا تحول إلى خطاب يعدد الكبائر دون أن يفقه مسالك الانكسار المؤدية إليها، فقد أخذ بعض الوظيفة وترك بعضها، وأصاب ظاهرًا من الشريعة وغفل عن مقصد من مقاصدها. ومأساة بسنت تفرض علينا أن ننتقل من فقه الإدانة المجردة إلى فقه الإنقاذ، ومن سرد الحكم إلى فحص الواقع الذي أفضى إلى الفعل.
ولهذا تبرز الحاجة إلى وصل الفقه بالطب النفسي وصلًا منهجيًا لا تجميليًا، بحيث لا يترك تقدير أثر الاضطراب على الإدراك والانفعال والاختيار للانطباعات الشعبية أو الأحكام المرتجلة، بل يرد إلى أهل الاختصاص، كما نص قرار المجمع صراحة، مع بقاء التكييف الشرعي والقضائي في موضعه. فالطبيب يصف مقدار الاختلال، والخبير يبين درجته، ثم يأتي الفقيه والقاضي لينزلا الحكم على حقيقة متصورة تصورًا صحيحًا، لا على وهم شائع أو انفعال عابر.
ولا يقف الأمر عند الفرد، بل يتعداه إلى الأسرة والمجتمع والدولة. فكل خطاب جاد في هذا الباب يجب أن يدعو إلى رفع الوعي بالصحة النفسية، وإزالة الوصمة عن المرض والإنهاك النفسي، وبناء شبكات إسناد حقيقية للمصابين، وتجريم صور التشهير والتنمر والاستغلال، وتعزيز الحماية القانونية للمرأة التي تتحمل أعباء الحياة منفردة، وإلزام الأب المتخلي عن النفقة والتربية بمسؤوليته إلزامًا لا يترك المرأة فريسة للخذلان ثم للمساءلة.
وعند هذا الحد، لا تكون مأساة بسنت مجرد قصة مؤلمة تستدعى للبكاء أو للعظة، بل تصبح مرآة كاشفة لخلل أعمق في فهمنا للإنسان: هل ننظر إليه ككائن يظل مسؤولًا بالصورة نفسها في جميع حالات القوة والضعف والانكسار؟ أم ننظر إليه كما ينبغي أن ينظر إليه الشرع والعدل معًا: نفسًا قد تثبت، وقد تضعف، وقد تختل، ولكل حال حكمها، ولكل درجة تكييفها، ولكل واقع تنزيله؟
إن الرحمة هنا ليست نقضًا للحكم، كما أن التحقيق ليس تمييعًا للأصل، بل كلاهما من صميم الفقه العادل. ولذلك فإن الدعاء لبسنت بالرحمة لا يناقض تقرير حرمة الانتحار، كما أن القول بضرورة فحص حالها النفسية لا يعني تبرير الفعل مطلقًا، بل يعني وضعه في موضعه الصحيح من ميزان الشريعة، حيث لا يُدان الإنسان قبل فهم حاله، ولا يُنزّل الحكم على فعل حتى يُحرر مناطه، ولا تُختزل المأساة في كلمة واحدة بينما أسبابها كانت كثيرة، قاسية، ومتراكمة.
وتبقى، بعد كل ذلك، أسئلة لا يجوز الهروب منها: كيف نعيد بناء فقه الأهلية بحيث يستوعب اختلالات الإدراك الناجمة عن الضغوط الاجتماعية والنفسية المركبة؟ وكيف نحول القواعد الشرعية من مجرد معايير للحكم بعد السقوط إلى أدوات وقاية تمنع الوصول إلى الحافة؟ ثم من المسؤول حقًا في مثل هذه المآسي: الفرد وحده، أم البنية التي سحقت روحه حتى ضاقت عليه الحياة بما رحبت؟
رحم الله بسنت؛ لا بوصفها خبرًا عابرًا، بل بوصفها امتحانًا عسيرًا لضميرنا الفقهي والإنساني معًا: هل نبقى في فقه الإدانة السريعة، أم نرتقي إلى فقه الإنقاذ الذي يبصر بسنت… هل سقطت وحدها أم سُحقت أهليتها أولًا؟
⸻
الدكتور محمد بشاري




