فلسفة التشريع النبوي: من ميلاد النور إلى هندسة الأصول ومقاصد القانون
إذا وقفنا على أعتاب التأمل في إشراقات ذكرى المولد النبوي الشريف، فإن العقل الرصين والباحث المتأمل في مسالك التاريخ يربأ بالبحث العلمي الجاد أن يقف عند حدود السرد التاريخي السطحي والمناسباتي المعتاد الذي يكتفي باستحضار الزمان والمكان بمعزل عن دلالاتهما الحضارية والمعرفية، ليرتقي إلى آفاق أرحب وأوسع؛ ألا وهي أفق استنطاق فلسفة التشريع النبوي وما يدور حولها من علل ومقاصد. فلم يكن ذلك الميلاد العطر مجرد حدث عابر في جدول الأيام وصحائف الزمان، بل كان بمثابة “الزلزال الهادئ” الذي هدم أركان الاستبداد، وأسس لفقه الإنسان، منطلقاً من عبق التاريخ وجغرافيته ليبني صرحاً تشريعياً شامخاً نفاخر به عبر العصور. وإذا ما يممنا وجهنا شطر أنسنة المعارف والأفكار رأينا الإشكالية الكبرى والعميقة التي تواجه الفكر القانوني والفلسفي والأصولي المعاصر تكمن في ذلك الفصل المفتعل بين النص الديني وحركيته التاريخية من جهة، وبين مقاصده الكلية وقواعده الهندسية الأصولية من جهة أخرى، ولعمرى فهو انفصال أدى بالبشرية إلى أزمات حادة في منظومة القيم والتشريع، وجعل القانون أداة جافة خالية من الروح الإنسانية. ومن هنا تنبع ضرورتنا المعرفية القصوى لتفكيك هذا الارتباط العضوي الوثيق بين ميلاد النور الكوني، وبين تشكل المنظومة الأصولية العميقة وصياغة فقه المقاصد الناظم لسلطان التشريع و القانون. لنعلم كيف تحول الحدث البشري للميلاد الشريف إلى ميلاد حقوقي وتشريعي وقانوني للأمة؟ وما المعالم الفلسفية والأصولية المنهجية التي أرساها التشريع النبوي لتنظيم المجتمعات الإنسانية وتوجيه مسارها نحو العدالة والكمال؟ إن هذه التساؤلات الكبرى تفتح الباب على مصراعيه لقراءة تحليلية مقارنة بين ثوابت الوحي وعبقرية الهندسة التشريعية النبوية في تأسيس الدولة والمجتمع، وتضعنا أمام مسؤولية تاريخية لإعادة قراءة السيرة النبوية باعتبارها مدونة قانونية وأصولية حية تنبض بالحلول لواقعنا المعاصر.
إن المتأمل بعين البصيرة في الإرهاصات الكونية والتاريخية لميلاد المصطفى صلى الله عليه وسلم يدرك تمام الإدراك أن مشيئة الخلاق العظيم قد قضت أن يتزامن مولد البشير النذير مع مخاض عسير للبشرية التي كانت تئن تحت وطأة الفوضى القانونية والتشريعية في شتى بقاع الأرض . ففي الوقت الذي كانت فيه الإمبراطوريات العظمى كفارس والروم ترزح تحت قوانين طبقية تسحق الإنسان وتجعل من العدالة امتيازاً للسادة دون العبيد، وكانت الجزيرة العربية تعيش شريعة الغاب حيث تتحكم الأعراف القبلية الجائرة والعصبية البغيضة والثارات المتوارثة في رقاب العباد والبلاد؛ في هذه البيئة الظلامية المضطربة والمأزومة، أشرق نور النبوة ليؤسس لنقلة تاريخية كبرى وجذرية بها تحدث التبدلات النوعية فى الكون والحياة. هذه النقلة لم تكن مجرد إصلاح اجتماعي مؤقت، بل تمثلت في التحول العظيم من عشوائية العرف البدائي والتبعية للأهواء، إلى سلطان القاعدة القانونية المكتوبة والملزمة والعادلة. لقد غرس المولد النبوي الشريف النواة الصلبة لما يُعرف اليوم في الفكر القانوني الحديث بالمرجعيات الكبرى للتشريع، فلم يكن الوحي القرآني والسنة النبوية الشريفة مجرد توجيهات أخلاقية عابرة أو مواعظ وجدانية منفصلة عن حركة الواقع وتبدل مستجداته، بل كانت اللبنة الأساسية والصلبة لمنظومة قانونية محكمة، تعترف بكرامة الإنسان المطلقة بغض النظر عن لونه أو عرقه أو طبقته، وتضبط حركة المجتمع بضوابط دقيقة تصون الحقوق وتحفظ الحريات فى حدودها العامة والخاصة، وتؤسس لعلاقة تعاقدية بين الحاكم والمحكوم قائمة على البيعة والشورى والمسؤولية التضامنية.
وإذا كان ميلاد النور هو نقطة البداية الكونية الكبرى، فإن هندسة الأصول هي التعبير العملي والفلسفي عن عبقرية المنهج النبوي في بناء عقل استنباطي رصين قادر على التعامل بكفاءة عالية مع مستجدات الزمان والمكان فى سباقها مع لمحات النواظر والأبصار. لقد أدرك النبي صلى الله عليه وسلم بوافر حكمته الربانية واستشرافاته المستقبلية، أن النصوص الشرعية مهما بلغت كثرتها وتنوعها فإنها متناهية فى عددها ومحصورة فى كمها، وأن حوادث الحياة ووقائع البشر والنوازل التي ستلم بالأمة متجددة وغير متناهية فى تنوعات وقوعها؛ ومن هنا ظهرت الحاجة الملحة والضرورية لتأصيل قواعد الاستنباط التي تنظم عملية استخراج الأحكام من مصادرها ومظانها . وهذا التأسيس الأصولي تجلى بوضوح في الممارسات التشريعية المتنوعة والإقرارات النبوية المستمرة التي أرست شرعية الاجتهاد العقلي المنضبط بقواعد الحق والعدل دون إغفال لإنسانيات الفضل . ولعل الحوار الخالد الذي دار بين النبي صلى الله عليه وسلم ومعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن حكما وقضايا يمثل حجر الزاوية في هذه الهندسة التشريعية، حين أقره صلى الله عليه وسلم على الاجتهاد برأيه عند غياب النص المباشر، مؤسساً بذلك لمرونة العقل الفقهي. وهكذا تكاملت أركان المعرفة الأصولية، وتأسست قواعد القياس، والاستحسان، والمصالح المرسلة، وسد الذرائع، ومراعاة العرف الدائم الذي لا يخالف نصاً، مما ضمن للشريعة الخاتمة مرونتها المطلقة وقدرتها الفائقة على استيعاب أحدث التحولات القانونية والتشريعية والسياسية والاقتصادية في التاريخ البشري على امتداد حوادثه وأيامه، دون أن تتخلى عن ثوابتها القطعية التي تحفظ هوية الأمة وتماسكها من الاندثار أو الذوبان.
وما إن اكتملت هندسة الأصول في التشريع النبوي واتضحت معالمها الاستنباطية، حتى تجلى بوضوح تام معالم مقاصد القانون في الشريعة الغراء. فالتشريعات الإسلامية، في جوهرها وفلسفتها الكلية وتفاصيلها الجزئية، ليست أحكاماً تعبدية جافة مجردة عن المعقولية أو الحكمة، وليست قيوداً تعسفية تكبل حرية الإنسان، بل هي أحكام معللة تعليلاً دقيقاً برعاية مصالح العباد درءاً للمفاسد المهلكة وجلباً للمنافع الناجحة. لقد استقرأ الأصوليون والمقاصديون الكبار عبر تاريخ الفكر الإسلامي الطويل أن الغاية القصوى والهدف الأسمى للرسالة النبوية هو تحقيق مقصود الشارع الحكيم في حفظ الكليات الخمس الضرورية لاستقامة الحياة وازدهارها: (الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال) وفي هذا السياق المضيء، تبرز النزعة الإنسانية العميقة للتشريع النبوي؛ إذ إن كل حكم تشريعي –سواء كان في دائرة المعاملات المالية، أو الأحوال الشخصية، أو الجنايات والعقوبات، أو العلاقات الدولية– يدور فلكه حول تحقيق العدالة المطلقة ورفع الحرج والمشقة عن كاهل البشرية جمعاء. وحين وقف النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع ليعلن في خطبته العصماء تقرير مبدأ المساواة المطلقة، مردداً أن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، وأنه لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى والعمل الصالح، فإنه كان يرسخ في تلك اللحظة التاريخية الفارقة أرقى المبادئ الحقوقية والمنظومات الدستورية التي لم تعرفها القوانين الحديثة ومواثيق الأمم المتحدة إلا بعد قرون طويلة ومضنية من التضحيات والحروب والمعاناة الإنسانية المريرة.
ولم تقف عبقرية التشريع النبوي عند حدود التنظيم السياسي والاجتماعي فحسب، بل امتدت برحلتها الحضارية لتلامس مفاصل الحياة بدقة مذهلة عبر محطات متصلة الحلقات كالعقد الفريد؛ إذ تنبجس المحطة الأولى من إرساء “الإمام الأعظم للدساتير المدنية” المتمثلة في وثيقة المدينة المنورة، تلك الصحيفة الكبرى التي صاغها النبي صلى الله عليه وسلم فور هجرته لتكون أقدم وأشمل وثيقة دستوريّة وقانونية لتنظيم التعددية البشرية والسياسية في التاريخ البشري المكتوب. فلم تكن هذه الوثيقة مجرد معاهدة سلام عابرة، بل كانت دستوراً مدنياً مكتوباً يحدد بدقة طبيعة الدولة الناشئة وحقوق وواجبات كل مكوناتها من مهاجرين وأنصار ومختلف بطون اليهود. فقد أقرت الوثيقة بوضوح تام مبدأ “المواطنة المتساوية” القائمة على الانتماء الجغرافي والسياسي المشترك للوطن بغض النظر عن الروابط العقدية أو القبلية السابقة، وكفلت حرية الاعتقاد المطلقة لكل جماعة في ممارسة شعائرها، وأقرت مبدأ “الدفاع المشترك” ضد أي عدوان خارجي يستهدف المدينة، ونصت صراحة على أن أمة المؤمنين ومن معهم يدٌ واحدة على من سواهم، مع إقرارها للاستقلال المالي والقضائي لكل مكونات المجتمع المدنى، مما يعكس ذروة الإدراك القانوني والدستوري في إدارة التعددية وحفظ حقوق الأقليات قبل قرون طويلة من ظهور مفاهيم الدولة الوطنية الحديثة.
ومن رحاب هذا التأسيس الدستوري، تتصل الرحلة النورانية المباركة لتلج المحطة الثانية في فقه القانون الجنائي وقواعد المحاكمة العادلة؛ حيث أسس التشريع النبوي منظومة قانونية متكاملة ومحكمة تحصن كرامة الإنسان وتصون دماءه وأمواله وفق قواعد صارمة تمنع التعسف القضائي، متمثلةً في قاعدة “درء الحدود بالشبهات” التي تأمر القاضي بالنظر فى العقوبات الحدية كلما ظهرت شبهة تفسيرية تفيد البراءة، إلى جانب إقرار مبدأ “شخصية العقوبة وعدم أخذ أناس بجريرة آخرين” إطاحةً بشريعة الثأر الجاهلية، وإرساء “قرينة البراءة الأصلية” عبر القاعدة الراسخة: “البينة على المدعي واليمين على من أنكر”.
ثم تنساب الخطى إلى المحطة الثالثة في فقه الأزمات السياسية وإدارة المفاوضات في صلح الحديبية؛ ممثلاً ذروة العبقرية السياسية والتشريعية في إدارة المفاوضات الاستراتيجية العليا، حين قايض النبي صلى الله عليه وسلم شروطاً بدا في ظاهرها إجحاف بمقاصد استراتيجية كبرى كإقرار الهدنة والاعتراف المتبادل بالكيان النبوي كطرف ندّيته واعتباره، وهو ما صدّق القرآن الكريم بوصفه فتحاً مبيناً لدلالته على سمو الفقه المقاصدي المتزن على الجمود اللفظي الظاهري.
وتتواصل المسيرة في المحطة الرابعة مع قانون العمل وحفظ حقوق العمال والأجراء؛ إذ سبق التشريع النبوي كافة المواثيق الدولية بإرساء العدالة التعاقدية من خلال توجيهه الخالد: “أعطوا الأجير حقه قبل أن يجف عرقه”، مانعاً أي استغلال لجهد الإنسان وتعبه، ومؤكداً على المساواة الإنسانية في الملبس والمأكل مع الخدم والمماليك وكل ضعيف يمتد إليه الإنسان فى معاملاته.
لتتصل بها المحطة الخامسة في تجليات فقه الحماية البيئية واستدامة العمارة الكونية؛ حيث بادر النبي صلى الله عليه وسلم إلى تخصيص مناطق جغرافية محمية (كحمى النقيع) يحظر فيها الاستغلال العشوائي لتجدد الغطاء النباتي والثروة الحيوانية، وإقرار القواعد الناظمة لحق الانتفاع المشترك بالموارد الأساسية كالماء والكلأ، ناهياً عن الإسراف حتى على نهر جارٍ، تمهيداً مبكراً لقانون البيئة وحفظ الأجيال.
وتشرق المحطة السادسة مع ثورة قانون الأسرة وحقوق المرأة المالية والمدنية؛ إذ منح التشريع النبوي المرأة “شخصية قانونية مستقلة تماماً” تملك وتسقط الوصاية المالية الذكرية عنها، وجعل “رضاها” شرطاً جوهرياً لصحة عقد الزواج، مؤسساً لكيان أسري يقوم على المودة والرحمة.
ثم ترتسم في المحطة السابعة قواعد القانون الدولي الإنساني وقواعد الاشتباك العسكري؛ حين وضع النبي صلى الله عليه وسلم وصايا صارمة تحرم الغدر والتمثيل بالجثث، وتأمر بحماية المدنيين من شيوخ ونساء وأطفال ورهبان في صوامعهم، متحولةً بالحرب من همجية الانتقام إلى ضرورة مقيدة بأخلاق سامية وضوابط دقيقة سبقت اتفاقيات جنيف.
وتتكامل محطات الرحلة في المحطة الثامنة والأخيرة مع عقود المعاملات والشفافية المالية وحماية المستهلك؛ حيث أقام التشريع النبوي المبادلات التجارية على أساس التراضي التام ومنع الغرر والاحتكار والتدليس، كما تجلى في توجيهه الحاسِم لصاحب الطعام: “من غش فليس مني”، لتستقيم الحياة الاقتصادية على أعدل الأسس المالية.
وبالنظر إلى ما تقدم يمكننا القول إن الغوص في فلسفة التشريع النبوي من ميلاد النور إلى هندسة الأصول ومقاصد القانون، ليس مجرد ترف أكاديمي عابر، ولا استعراضاً بيانياً في محافل الاحتفاء، بل هو فريضة عصرية ملحة تفرضها التحديات الجسام التي تعصف بإنسان اليوم الممزق بين ماديات مرهقة وقوانين قاصرة تفصل القانون عن القيم والعدالة عن الأخلاق. من هنا، فإننا نوجه بياننا الحقوقي والأكاديمي الملزم إلى فقهاء القانون، والمشرعين المعاصرين، وأرباب الفكر في عصرنا الحاضر، دعوةً صريحة لنفض الغبار عن المنهج النبوي المقاصدي، والارتواء من معينه الفياض؛ إخراجاً للبشرية من أزماتها الحقوقية والتشريعية المتلاحقة. ولعمرى فإرث المصطفى صلى الله عليه وسلم التشريعي والأصولي والمقاصدي سيظل هو المنارة الساطعة، والملاذ الآمن، والبوصلة الدقيقة التي تهتدي بها البشرية التائهة في سعيها الدؤوب نحو مجتمع إنساني عالمي تسوده العدالة الحقة، وتصان فيه الكرامة الإنسانية، ويرفرف عليه السلام الشامل، تحقيقاً لقول الحق تبارك وتعالى: “وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين”، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.



