فلسفة القانون الكوني: لحظة الميلاد كنقطة تحول أنطولوجية من الفوضى التشريعية للجاهلية إلى التأسيس المعياري للقانون الإلهي
إن المتأمل في سفر الكينونة الإنسانية، المقلب لصفحات التاريخ بعين البصيرة الفاحصة والعقل الأصولي المستنبط، لا يرى قبل أن تنبلج أنوار اليتيم الهاشمي إلا قلقاً أنطولوجياً مرعباً يعصف بالوجود الزائف، وليلًا يرتدي ثوب الحزين من الفوضى التشريعية التي دكت معاقل الفطرة وأحالت العمران البشري إلى عبثية مأساوية تتخبط في دياجير الجاهلية . فلم تكن الجاهلية يومئذٍ مجرد حقبة زمنية خلت وانقضت، بل كانت في جوهرها الفلسفي حالة من “العدم المعياري” والاغتراب الوجودي المطلق، حيث فقد الإنسان صلته بميثاق “الائتمان” الأول، واستحال مجرد كائن ملقىً به في تيه الزمان والمكان، تحكمه عصبيات رعناء، وتتقاذفه أهواء طائشة لا تصدر عن عقل مسدد ولا عن وحي مؤيد. في ذلك الخضم المظلم، حيث كانت أرواح البشر تنزف دماً وتنتحب ألماً تحت سياط الاستعباد المادي، لم تعقم الأرض من فلاسفة ومشرعين وضعيين، غير أن نظرياتهم المجردة وقوانينهم كانت مجرد سفسطة جامدة وهياكل صماء؛ عجزت عن أن تلامس حقيقة “الإنسان الكامل”، وما ذلك إلا أنها فصلت بصلف فج بين المعرفة والأخلاق، وبين التشريع والتزكية. فجاءت قوانينهم تكريساً لطبقية بغيضة، تزيد القوي طغياناً، وتزيد الضعيف انسحاقاً واغتراباً، في سلسلة متصلة من الشقاء الروحي الذي جعل من حياة الإنسان عبئاً ثقيلاً تنوء بحمله الجبال.
فلما بلغت الحركة الجوهرية للكون غايتها التكاملية فى ذرى معانيها، وتجلت إرادة السماء لإنقاذ البشرية، هبت صواعق الحق من بطحاء مكة في لحظة “الميلاد الشريف”. ولم تكن تلك اللحظة الكونية مجرد انبثاق لجسد طاهر في تجلى من الغيب إلى عالم الشهادة، بل كانت “قطيعة إبستمولوجية” جبارة، وانفجاراً نورانياً أحدث صدعاً في جدار عبثية الزمان والمكان. لقد كان هذا الميلاد إعلاناً ببدء التأسيس المعياري للقانون الإلهي الكوني؛ قانون يستمد روحه من ميثاق “الائتمان” الرباني الذى لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها تحقيقا وتشريعا وتلميحا وبيانا.مما يجعلنا نقرر أن العمق المعرفى للميلاد الأنور يتجلى في كونه النقطة المركزية التي التقى فيها القانون التكويني الصارم الذي تسبح به الأفلاك، بالقانون التكليفي الأخلاقي الذي يجب أن يضبط حركة الإنسان، ليصيرا معاً منظومة توحيدية متكاملة تصدر عن مشكاة إلهية واحدة. فالكون كله يسجد لله طوعاً بقوانين الفيزياء، بينما كان الإنسان الجاهلي نشازاً في هذه السمفونية الكونية، فجاء الميلاد الأنور ليكون نقطة البدء في التأسيس المعياري الذي يرد الإنسان إلى انسجامه المطلق مع الوجود.
ولقد أحدث هذا التأسيس انقلاباً جذرياً في بنية العقل، متجاوزاً التشريع السطحي ليضرب بجذوره في أعماق البناء المنطقي. وكما تقرر في قواعد الاستنباط حين جُعل المنطق الصوري مقدمة معيارية لعلم الأصول، فإن لحظة الميلاد النبوي كانت في حقيقتها هي “المقدمة الكبرى” اليقينية التي بُنيت عليها قياسات التشريع الإلهي كافة. وبهذا أنقذ الميلاد الشريف العقل الإنساني من سفسطة الجدل، مؤسساً لبرهان قطعي يربط الحادث بالقديم. بل إن هذا الانسجام المنطقي ارتقى في السبك الكلامي والفلسفي لعلم الأصول؛ حيث برزت الرؤية الكونية القائلة بأن انقطاع الوحي يوجب الفوضى والعدم، وأن الضرورة الأنطولوجية تقتضي حتمية وجود “المشرع المعصوم”. إن الميلاد النبوي، وفق هذا السبك المعرفي، هو تجلي الإرادة الإلهية التي أحالت الوجود الإنساني من حيز “الممكن” العبثي إلى حيز “الواجب” التشريعي المنضبط.
ولم يقف هذا الإحكام الفلسفي بعيداً عن أسرار لغة الضاد وبيانها الساحر؛ إذ نلحظ تناظراً بديعاً بين “علل الأصول” و”علل النحو”. فكما تقرر في مدونات إيضاح العلل النحوية، أن بناء الكلمات واختلاف أواخرها تحكمه علل دقيقة تضبط استقامة اللسان وتحفظ المعنى من الفساد؛ فإن الشريعة المحمدية جاءت بـ “علل أصولية” تضبط استقامة العمران الإنساني. فكما أن النحوي يغوص في بواطن الكلام ليستخرج العلة الخفية، كذلك يغوص العقل الأصولي في ظواهر النصوص ليستخرج المناط المؤثر الذي أوجب الإلزام بالحكم، لئلا يختل ميزان العمران وبنيانه. وبهذا أعاد الوحي هندسة اللغة وهندسة التشريع معاً في نسق واحد، ليصبح الكون كله لغة تقرأ، وقانوناً يُمتثل.
ولكي لا يتحول هذا التشريع إلى مجرد نصوص قانونية جامدة، جاء الاستقراء المعنوي العبقري ليكشف لنا أن هذا الميلاد قد دشن عهد “المقاصد الكلية” ،مما يجعلنا نقول إن النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم جاء بمنظومة تشريعية ترتكز على فلسفة مقاصدية عليا تهدف إلى حفظ “الضروريات الخمس” (الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال). هذه المقاصد ليست تنظيراً مجرداً، بل هي أركان أنطولوجية تُترجم في الواقع عبر نماذج تطبيقية وتشريعية صارمة؛ ففي مضمار حفظ “النفس الإنسانية”، كانت الجاهلية تعيش فوضى الدماء والثأر الأعمى حيث تُباد قبائل بجريرة فرد، فتدخل التشريع المحمدي بضربة قانونية زلزلت البنية الجاهلية عبر تطبيق مبدأ “المسؤولية الجنائية الفردية” في قوله تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ}، ليؤسس قاعدة “القصاص العادل”. ومن ثم ساوى هذا التطبيق التشريعي بين دم الشريف والعبد، وانتزع حق توقيع العقاب من أيدي العصبية القبلية ليجعله حقاً خالصاً للمؤسسة القضائية، فتحول الدم البشري من سلعة رخيصة في أسواق الثأر إلى بناء معصوم له حرمته عند الله وعند الناس.
وإذا ما طبقنا مقصد حفظ “النسل والكرامة” على الواقع التطبيقي للمرأة، تتجلى أبشع صور التشييء الجاهلي حيث كانت تُورث كمتاع وتُوأد كعار. وفي لحظة تحول تشريعي نورانى، أبطل القانون الإلهي هذه النظرة العدمية؛ فحرم الوأد بوصفه اعتداءً على النظام الكوني، وتجاوز ذلك إلى تأسيس “ذمة مالية مستقلة” للمرأة. أقر لها حقها المطلق في الميراث والتصرف، محرراً إرادتها من الوصاية، لترتقي عبر هذا التطبيق الفقهي المباشر من مرتبة “الشيء المملوك” إلى مرتبة “الذات المؤتمنة” التي تخاطب بالتكليف وتؤسس العمران و تصنع الأجيال وتقود الأمم.
أما في ساحة حفظ “المال والاجتماع الاقتصادي”، فقد كانت الفوضى الجاهلية تعتمد نظام “الاغتراب الاقتصادي” عبر الربا الاحتكاري الذي يحول الزمن إلى سلعة تسننزف عرق الضعفاء و الكادحين. فجاء التأسيس المعياري بتطبيق اقتصادي حاسم؛ فحرم الربا وجميع بيوع الغرر والميسر تحريماً قاطعاً، وأسس بديلاً عملياً تمثل في نظام “المعاوضة العادلة” وقاعدة “الخراج بالضمان”، حيث يشترك رأس المال والجهد في تحمل المخاطرة. فلم يكن هذا مجرد إصلاح اقتصادي، بل كان تحريراً للإنسان من قهر المادة، وتأسيساً لعقلانية ترفض فصل الثروة عن الأخلاق.
وتتجلى ذروة المرونة التشريعية من خلال ما سُطر في قواعد “الفروق” والتمييز الدقيق بين تصرفات النبي. فقد أُدرك أن التشريع لم يمارس بنسق آلي سلطوي، بل تعددت المقامات (تبليغ، قضاء، إمامة). وهذا التمييز الأصولي أثمر نموذجاً تطبيقياً فريداً في السياسة الشرعية تمثل في “صحيفة المدينة”. فبينما كانت البشرية تُصنف وفقاً لروابط الدم البيولوجية، جاءت الصحيفة كأول دستور مدني تعاقدي ينقل المجتمع من سلطة العصبية إلى رابطة “المواطنة” القائمة على الحقوق والواجبات، معلنة دستوره الخالد: “لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى”. لقد دكت هذه الصحيفة التطبيقية صروح الطبقية، وأعادت صياغة الهوية وفق التخلق الإرادي والالتزام بالقانون.
إن هذا الميراث الأصولي الجبار بنماذجه التطبيقية، ليس أثراً من الماضي السحيق يُتلى للتبرك، بل هو منهج حي متدفق، تواصلت حلقاته في اجتهادات المدرسة الأصولية المعاصرة. ولقد تجلى هذا الامتداد في الغوص حول “تعليل الأحكام”، حيث أُثبت أن أحكام الشريعة تدور مع مصالح العباد وعللها المعقولة، مما يفتح باب الاستنباط أمام المستجدات و النوازل. وتساوقاً مع هذا النهج، تبرز الإسهامات العلمية في تأصيل مباحث “السياسة الشرعية” وربطها بنظريات القانون الحديثة، ليبرهن العقل المسدد بالوحي أن الشريعة التي وُلدت مع فجر مكة قادرة، بما تملكه من فروق دقيقة في تنزيل الأحكام والتطبيقات العملية المرنة، على تقديم الحلول المتفردة لأزمات الدول المعاصرة التشريعية والسياسية.
وخلاصة القول ومنتهى بيانه، إن العالم اليوم، وهو يتخبط في تيه أزماته القانونية والأخلاقية الخانقة، وتطحنه الفلسفات الوضعية المادية التي شطرت الإنسان إلى نصفين؛ يعيش منحدر الاغتراب الحضاري. فقد شيد الإنسان المعاصر ناطحات السحاب، وصاغ دساتير دولية معقدة، لكنه أضاع الطريق إلى نفسه، وليس له من مخرج سوى العودة الواعية إلى النبع الصافي الذي تفجر مع ذلك الميلاد الأنور. إن المولد النبوي يقف كنموذج إرشادي يصرخ في ضمير العالم ليعود إلى ميثاق الائتمان الأول. فسلام على ذلك النور الخاتم يوم أشرق فبدد حيرة العقول القلقة، ويوم أقام شريعة السماحة فأرسى دعائم العمران، شاهداً ومبرهناً للعالمين على أن التأسيس المنطقي الصارم، والمقاصد الكلية، والتطبيقات الجنائية والاقتصادية الحية، والعمق الكلامي المفسر للكون، والدقة النحوية، وإشراقات الفقه المعاصر؛ ليست جميعها إلا قطرات من بحره، وقبسات من مشكاته الكبرى. لقد علم هذا النبي الأمي صلى الله عليه وسلم، بسيرته وشريعته، الإنسانية التائهة كيف ترتقي من فوضى العدم الجاهلي، إلى جلال الوجود ومحراب التشريع العادل المستنير ،وبهذا استشعر الإنسان أنه سيد الكائنات فى كون الله .



