إيران: حين يتحوّل المشروع إلى شبكة… وتتحوّل الجغرافيا العربية إلى مجال اختبار
ليست إيران خصمًا يُواجَه بالصوت العالي، ولا ملفًا يُختصر في خطاب سياسي عابر، بل هي نموذج لدولة أعادت تعريف نفوذها خارج حدودها، فحوّلته من امتداد جغرافي إلى منظومة تأثير مركبة، تقوم على الذاكرة والهوية والشبكات قبل أن تقوم على السلاح. ولذلك فإن أخطر ما في المشروع الإيراني ليس ما يعلنه، بل ما يبنيه بصمت؛ وليس ما يقوله، بل ما يراكمه عبر الزمن.
إن الخطأ التحليلي الأكبر الذي وقع فيه كثير من الخطاب العربي هو اختزال السلوك الإيراني في ردّ فعل على الوجود الأمريكي في الخليج. هذا التفسير، رغم حضوره الإعلامي، ينهار أمام أبسط اختبار تاريخي. فمحاولة زعزعة البحرين سنة 1981، والتفجيرات الكبرى في الكويت سنة 1983، وخطف الطائرة الكويتية سنة 1984، ومحاولة اغتيال أمير الكويت سنة 1985، وتسييس الحج سنة 1987، كلها وقائع سبقت لحظة الهيمنة الأمريكية التي أعقبت تحرير الكويت. هذه الأحداث لا تُفسَّر بردود فعل، بل تُقرأ كأفعال تأسيسية في مشروع مبكر يسعى إلى اختراق الدولة الخليجية من داخلها، لا إلى مواجهة قوة خارجها فقط.
وهنا يتكشف الفارق بين منطق الدولة التقليدية ومنطق المشروع الإيراني: فالدولة تواجه خصمًا، أما المشروع فيعيد تشكيل البيئة. إيران لا تكتفي بإدارة الصراع، بل تعمل على إعادة صياغة توازناته عبر أدوات غير مباشرة: بناء شبكات موالية، توظيف المظلومية، استثمار الانتماءات العابرة للحدود، وإنتاج ولاءات موازية للولاء الوطني. ولذلك فإن سلوكها لا يبدو دائمًا كحرب، لكنه في جوهره تفكيك بطيء لمفهوم السيادة.
هذا ما يفسر أن أدواتها لم تكن يومًا عسكرية صرفة. فحين كان يمكن توجيه الصراع نحو أهداف أمريكية مباشرة، اختارت إيران في كثير من الحالات استهداف الداخل الخليجي نفسه: قياداته، منشآته، مجتمعه، رموزه الدينية. وهو اختيار لا يمكن تفسيره إلا بكونه جزءًا من مشروع نفوذ وهيمنة، لا مجرد اعتراض على تموضع عسكري خارجي. فلو كانت القضية قواعد أجنبية، لكان مسار العمليات مختلفًا، ولتوجهت الضربات إلى تلك القواعد دون غيرها. لكن الوقائع تقول إن الدولة الوطنية الخليجية كانت هي الهدف.
وإذا كان هذا النمط قد تجلّى مبكرًا في الخليج، فإنه اتخذ في المغرب الكبير صورة أكثر تركيبًا، لأنه اصطدم مباشرة بجوهر الأمن القومي المغربي: الوحدة الترابية. فحين قررت الرباط سنة 2018 قطع علاقاتها مع طهران، لم يكن ذلك نتيجة خلاف دبلوماسي عابر، بل بناءً على قناعة بأن المشروع الإيراني تجاوز حدود التأثير السياسي إلى محاولة التسلل إلى ملف الصحراء المغربية عبر قنوات غير مباشرة. وهنا وقع التحول الجوهري: لم تعد إيران تُقرأ كفاعل بعيد في الشرق الأوسط، بل كعنصر يمكن أن يتقاطع مع نزاع إقليمي حساس في غرب إفريقيا.
والأخطر أن هذا التداخل لم يُفهم في البداية على حقيقته، لأن بعض النخب العربية كانت ترى في إيران أو في بعض أذرعها نموذجًا للمقاومة ضد إسرائيل. غير أن الصدمة وقعت حين تبيّن أن نفس الأدوات التي تُستخدم في خطاب “المقاومة” يمكن أن تُستخدم في دعم حركات انفصالية داخل المجال العربي نفسه. وهنا انهار الوهم، وظهر أن معيار التحالف لا يمكن أن يكون شعاريًا، بل يجب أن يكون سياديًا: من يدعم وحدة الدولة فهو حليف، ومن يعبث بها فهو خصم، مهما كانت شعاراته.
وفي العمق، لا يمكن فهم الحضور الإيراني في إفريقيا، وفي الساحل والصحراء تحديدًا، إلا ضمن هذا التصور الشبكي. فإيران لا تبحث فقط عن حلفاء سياسيين، بل عن مساحات رخوة يمكن أن تتحول إلى منصات نفوذ. إفريقيا بالنسبة لها ليست مجرد مجال دعوي أو اقتصادي، بل فضاء استراتيجي يتيح الوصول إلى المحيط الأطلسي، والاقتراب من أوروبا، والتأثير في طرق التجارة والطاقة، وربما في موارد استراتيجية كاليوارنيوم. ولذلك فإن حضورها هناك متعدد الأبعاد: ديني، اقتصادي، أمني، واستخباراتي.
وهنا يلتقي المساران: الخليج والمغرب ليسا جبهتين منفصلتين، بل مجالين ضمن رؤية واحدة. ففي الخليج تسعى إيران إلى كسر التوازنات الأمنية وتهديد البنية الحيوية للطاقة والملاحة، وفي المغرب الكبير تسعى إلى التسلل عبر النزاعات الإقليمية لإعادة تشكيل النفوذ في غرب إفريقيا. والجامع بين المسارين هو اعتماد نفس المنهج: العمل عبر الوكلاء، واستثمار التصدعات، وتجنب المواجهة المباشرة كلما أمكن.
من هنا، فإن الرد على هذا المشروع لا يمكن أن يكون انفعاليًا أو ظرفيًا. فإيران لا تتحرك بمنطق اللحظة، بل بمنطق التراكم. ولذلك فإن مواجهتها لا تكون بالتصريحات، بل ببناء مناعة شاملة: هوية وطنية صلبة تقطع الطريق على الولاءات البديلة، تعليم يرسخ الوعي السياسي والقانوني، مؤسسات عدالة تمنع توظيف المظلومية، وأجهزة أمن تشتغل على الوقاية لا على رد الفعل. وفوق ذلك كله، تنسيق عربي يتجاوز ردود الفعل إلى بناء مجال استراتيجي مشترك، يرى الخليج والمغرب وإفريقيا كدوائر متصلة لا كجزر منفصلة.
إن المعركة مع المشروع الإيراني ليست معركة حدود، بل معركة نموذج. هل تبقى الدولة الوطنية العربية قادرة على حماية سيادتها في وجه شبكات عابرة للحدود؟ أم تتحول إلى فضاء مفتوح لاختراقات ناعمة تتراكم حتى تصبح وقائع صلبة؟ وهل نملك من الرؤية ما يكفي للانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء التوازنات؟ أم نظل أسرى ردود الفعل، نطارد نتائج مشروع لم نقرأ بنيته بعد؟
تلك هي الأسئلة التي تحدد مستقبل الصراع، لا حجم الخطاب، ولا حرارة الانفعال.




