أولايةُ الفقيه أم وَراثةُ الضرورة؟
كيف يُصاغ المرشد في طهران على قدر الدولة لا على قدر الحوزة
الدكتور محمد بشاري
في الجمهورية الإسلامية الإيرانية لا يكفي، لفهم سؤال الخلافة، أن يُرجَع إلى الدستور وحده، ولا أن يُكتفى بالعُرف الحوزوي وحده؛ لأن التجربة الإيرانية نفسها دلّت، في منعطفاتها الحاسمة، على أن المرشد الأعلى لا تصنعه الحوزة وحدها، ولا يختاره مجلس الخبراء في فراغٍ من موازين القوة، بل يتكون في ملتقى شديد التعقيد بين الشرعية الدينية، والقرار السياسي، والنفوذ الأمني، وثقل الحرس الثوري، وشبكات المصالح التي تمسك بمفاصل الدولة. ومن ثم فإن اسم مجتبى خامنئي لا يبرز اليوم بوصفه الاسم الذي فرض نفسه علميًا على سائر الأسماء، ولا بصفته المرجع الذي انعقد له إجماع الحوزة أو شبه إجماعها، وإنما يبرز بوصفه رجلًا راكم، في صمتٍ طويل، نفوذًا كثيفًا داخل قلب النظام، حتى غدا السؤال الحقيقي ليس: هل استكمل شروط الزعامة الدينية؟ بل: هل حسمت الدولة العميقة أمرها، ورأت فيه أضمن الوجوه لاستمرار البنية كما هي، لا كما ينبغي أن تكون؟
من الناحية الدستورية، يظل مجلس خبراء القيادة هو الجهة المختصة باختيار المرشد الأعلى، كما أن المادة الحادية عشرة بعد المائة من الدستور نظمت حالة الشغور عبر آلية انتقالية تمكّن الدولة من الاستمرار إلى حين حسم الخلافة. وفي هذه اللحظة الانتقالية فُعّلت هذه الآلية، فتشكل مجلس قيادة مؤقت يضم رئيس الجمهورية مسعود بزشكيان، ورئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني أجئي، وعلي رضا أعرافي بصفته فقيهًا من مجلس صيانة الدستور. وليس هذا الترتيب مجرد إجراء تنظيمي بارد، بل هو علامة على أن النظام، في الساعات الفاصلة، لا يترك فراغًا في القمة، بل يسارع إلى إحكام الجسر المؤسسي بين لحظة الغياب ولحظة التعيين، حتى تبقى الدولة ممسوكة الخيوط، ولا يتسرّب الارتباك إلى أجهزتها العليا.
غير أن النص الدستوري القائم اليوم ليس هو النص الذي كان قائمًا عند وفاة الخميني سنة 1989. فقبل ذلك التعديل كان شرط المرجعية حاضرًا بوصفه قيدًا صريحًا على من يتولى موقع القيادة العليا، أما بعد التعديل فقد خُفف الشرط، وصارت الكفاية العلمية للإفتاء، مع العدالة والبصيرة السياسية والاجتماعية والإدارية، كافية من حيث المبدأ لفتح الباب أمام مرشح لا يحمل المقام المرجعي التقليدي. وهنا يستدعي التاريخ الإيراني ذاكرته الأثقل والأوضح: فعندما توفي الخميني في الرابع من يونيو سنة 1989، لم يكن علي خامنئي مستوفيًا، بحسب الفهم الحوزوي السائد آنذاك، لصورة المرشد كما استقرت في الوعي الشيعي السياسي. لم يكن مرجع تقليد، وكان أقرب في مرتبته إلى حجة الإسلام منه إلى المرجعية العليا، بل إن خامنئي نفسه عبّر، في جلسة مجلس الخبراء، عن عدم مناسبته لهذا المقام. لكن هذه الحقيقة لم تمنع صعوده؛ لأن القرار السياسي سبق، يومئذ، التكييفَ الدستوري، ثم جاء تعديل الدستور لاحقًا ليضفي على ما وقع صورةً من المشروعية المنسجمة مع مصلحة النظام.
وهذه السابقة ليست تفصيلًا في سردية الثورة، ولا حادثًا عارضًا في تاريخها السياسي، بل هي مفتاح لفهم منطق الدولة الإيرانية حين تضيق المسافة بين الشرعية والنفاذ، بين النص والمصلحة، بين الحوزة والسلطة. ففي تلك اللحظة لم يكن العامل الحاسم هو الأرجحية العلمية المجردة، وإنما كان العامل الفاصل هو وزن رجال الدولة ومراكز القوة. وقد لعب هاشمي رفسنجاني يومها دورًا محوريًا في ترجيح كفة خامنئي، لا بوصفه رجل دين فقط، بل بصفته رجل توازنات، وعقلًا سياسيًا يعرف كيف تُدار اللحظات التي يتهدد فيها الفراغ بُنية النظام. ثم جاء موقعه لاحقًا على رأس مجمع تشخيص مصلحة النظام ليكرّس هذه الوظيفة: الجمع بين منطق الشرعية ومنطق المصلحة، وتدوير الزوايا بين مقتضيات النص وضرورات الدولة. وما كان رفسنجاني يمثله في تلك اللحظة، من حيث الوظيفة لا من حيث الشخص، هو ما تمثله اليوم شخصيات من طراز علي لاريجاني: رجال دولة يعرفون كيف تُبنى التسويات، وكيف تُجسر الفجوة بين ما تطلبه الحوزة وما تحتاجه السلطة، وبين ما يقوله القانون وما تفرضه موازين القوة.
في هذا السياق يبرز مجتبى خامنئي بوصفه الشخصية الأكثر إثارة للجدل، والأكثر استدعاءً للتساؤل. فهو ليس فقيهًا من طرازٍ تقليدي فرض نفسه في حلقات البحث الخارج حتى أذعنت له الحوزة، وليس صاحب سيرة سياسية علنية مكتظة بالمناصب التنفيذية الكبرى، لكنه، على الضفة الأخرى، ليس رجلًا عابرًا في البيت الحاكم. ولد في الثامن من سبتمبر سنة 1969 في مشهد، وهو الابن الثاني لعلي خامنئي. وتربطه صلات مصاهرة بعائلة حداد عادل، وهي من العائلات ذات الحضور السياسي والثقافي داخل النخبة المحافظة. وقد تابَع دراساته الحوزوية، واستفاد من دروس عدد من الأسماء المعروفة في الوسط الديني، من بينهم محمود هاشمي شاهرودي، ومحمد تقي مصباح يزدي، ولطف الله صافي گلپايگاني. كما خاض تجربة الحرب العراقية الإيرانية في شبابه، وهي تجربة لا تُقرأ في السردية الإيرانية بوصفها مجرد ذكرى، بل بوصفها أحد مصادر الشرعية الرمزية داخل النخبة الصلبة للنظام.
غير أن مجتبى لا يستمد أهميته من هذه المعطيات في حد ذاتها، وإنما من موقعه الفعلي داخل شبكات القرار. لقد تحوّل، عبر السنين، إلى رجل ظلّ داخل مكتب المرشد، وإلى وسيط موثوق بين البيت القيادي وبين مراكز النفوذ في الحرس الثوري والأجهزة الأمنية. ومن هنا كانت قيمته السياسية أعلى من رتبته الرسمية، وأشد من حضوره العلني. فهو لم يحتج إلى منصبٍ ظاهر لكي يمارس أثره؛ لأن قربه من غرفة القرار نفسها، ومعرفته الدقيقة بدواليب الدولة، وصلاته الوثيقة بالقوة الصلبة، جعلت منه، في نظر كثيرين داخل النظام، رجل الاستمرارية الممكنة في لحظة الخوف من الاضطراب.
هنا يتكشف لبُّ المسألة. فبحسب العرف الحوزوي، لا يظهر مجتبى في طبقة الأسماء التي فرضت اعترافها العلمي العام على الحوزة في قم أو النجف. واللقب، في البيئة الحوزوية، لا يصنعه الإعلام وحده، ولا تمنحه السياسة من غير مقاومة صامتة من أهل الدرس. فالعرف الحوزوي لا يقوم على التسمية وحدها، بل على التراكم العلمي، والاعتراف الواسع، وحضور الدرس، وتأثير الأستاذية، وامتداد الأثر في الفقه والنظر. ولذلك فإن رفع لقبه، في بعض الدوائر، إلى مرتبة “آية الله”، لا يحسم النزاع من جهة الوعي الحوزوي التقليدي، لأنه لا يجيب عن السؤال الأعمق: هل توافرت له المكانة التي تجعل تسميته امتدادًا طبيعيًا لسلم الاعتراف العلمي، أم أن هذه التسمية نفسها جزء من عملية تهيئة سياسية لتمرير خيار جرى حسمه في مكان آخر؟
أما من جهة الدستور، فالإشكال اليوم أخف حدةً مما كان عليه في سنة 1989، لكنه ليس معدومًا. ذلك أن تعديل الدستور ألغى شرط المرجعية الصريح، غير أنه لم يلغِ الحاجة إلى الفقاهة والكفاية العلمية والبصيرة السياسية. ومن هنا فإن الاعتراض على مجتبى لا يُصاغ في لغة المنع القاطع، بل في لغة النزاع على التأويل والحدود: هل يستوفي الحد الأدنى الذي يسمح للنظام بتقديمه مرشدًا؟ نعم، قد يكون ذلك ممكنًا في قراءةٍ سياسية للنص. لكن هل يستوفي الحد الأعلى الذي يجعل تعيينه مقنعًا في ميزان العرف الحوزوي والرمزية الدينية؟ هنا يبدأ الجدل الحقيقي، وهنا يظهر الفرق بين أهليةٍ قانونية قابلة للتسويغ، وأهليةٍ علمية لا تُنال إلا بميزانٍ آخر.
ولعل أبرز ما يدفع باسم مجتبى اليوم ليس تراكمه الفقهي بقدر ما هو تراكمه السلطوي. فالسردية التي تُبنى حوله داخل بعض الدوائر الإيرانية لا تقدمه بوصفه الأعلم، بل بوصفه الأعرف. لا يُسوَّق باعتباره الأبرز في مقام الاجتهاد، بل باعتباره الأقدر على ملء الفراغ، والأكثر خبرةً بخفايا الإدارة العليا، والأشد قربًا من مركز اتخاذ القرار، والأوثق صلةً بالمؤسسات التي تمسك، في النهاية، بالقوة الصلبة للنظام. وهذه هي لغة الأنظمة حين تدخل زمن القلق: تنتقل من سؤال “من الأفقه؟” إلى سؤال “من الأقدر على الحفظ والضبط ومنع التفكك؟”. وفي مثل هذه اللحظات تتراجع الحوزة من مقام المُنشئ للشرعية إلى مقام الموفّر لغطائها، وتتقدم الدولة من موقع المنفذ إلى موقع الصائغ.
وبهذا المعنى، لا تكون قضية مجتبى قضية شخصٍ يسعى إلى موقع، بل قضية نظام يعيد تعريف موقعه الأعلى وفق منطق بقائه. فالميليشيات المقاتلة، والأجهزة، والحرس الثوري، وشبكات التمويل والنفوذ، ليست في التجربة الإيرانية عوارض خارجية عن القرار، بل هي بعض مادته التكوينية. وإذا كان علي خامنئي قد صعد سنة 1989 لأن مراكز القوة رأت فيه خيار الاستمرار الممكن، فإن مجتبى يُدفع اليوم، بحسب جملة المؤشرات، لأنه يجمع، في نظر تلك المراكز، خصائص الاستمرار الأكثر انضباطًا: ابن البيت، ورجل المكتب، وقريب القوة الصلبة، ووريث المعرفة الداخلية التي لا تُكتسب في لحظة، بل تُبنى عبر سنوات من المرافقة والسرية والتأثير غير المعلن.
وعليه، فإن تسمية مجتبى خامنئي، إن تمت رسميًا، لن تكون مجرد قرار في شغل منصب شاغر، بل ستكون بيانًا سياسيًا مكثفًا عن طبيعة الجمهورية الإسلامية نفسها. ستكون إعلانًا جديدًا عن أن النظام الذي يرفع في خطابه لواء ولاية الفقيه، لا يتردد، عند المنعطفات الحاسمة، في إعادة تشكيل صورة الفقيه وفق ما تقتضيه مصلحة الدولة لا وفق ما يقتضيه ميزان الحوزة وحده. وحينئذٍ لا يعود السؤال الأصدق: هل يملك مجتبى الحد الأدنى من الأهلية؟ بل يصبح: هل قررت الدولة أن هذا الحد الأدنى يكفي، ما دام الرجل يملك ما هو أثمن في لحظة الخطر: ثقة الحرس، ومعرفة المكتب، وولاء الأجهزة، وقدرة الإمساك بخيوط الاستمرار؟
وفي هذه النقطة بالذات يبدو التاريخ الإيراني وكأنه لا يكرر نفسه فحسب، بل يُحكم آلية تكراره. ففي سنة 1989 عُدّل الدستور بعد الاختيار ليمنح القرار السياسي صورةً قانونيةً أكثر انسجامًا. أما اليوم، فإن الدستور المعدل صار نفسه أكثر قابلية لاستيعاب مرشح لا يحمل مقام المرجعية ما دام يحمل من النفوذ ما يمكن فرضه، ومن الفقاهة ما يمكن تسويقه، ومن الرمزية ما يمكن توظيفه. وهكذا يغدو مجتبى خامنئي مرشحًا لا لأن الحوزة قالت كلمتها النهائية فيه، بل لأن الدولة، إذا استكملت إرادتها، تستطيع أن تقدمه بوصفه القائد الذي صاغته الضرورة، لا العالم الذي فرضته الحوزة.
وهنا تتشقق الأسئلة الكبرى من داخل المشهد نفسه: هل ما يزال مجلس الخبراء يختار المرشد فعلًا، أم أنه يمنح الصيغة الأخيرة لخيارٍ سبق أن صاغته مراكز القوة؟ وهل ما تزال الحوزة تملك من السلطة ما يسمح لها بكسر الإيقاع السياسي، أم أنها انحسرت إلى حدود الاعتراض الرمزي؟ ثم هل ستكون تسمية مجتبى، إن أُعلنت نهائيًا، استمرارًا لنظام ولاية الفقيه، أم إيذانًا بتحوله الهادئ إلى صيغة أقرب إلى ولاية البيت الحاكم، مع بقاء اللافتة نفسها وتبدل البنية من تحتها؟




